محمد كرد علي
280
خطط الشام
في قالب ينفر الناس منها ، ويصور ظلم الحكام وأصحاب النفوذ وأغلاطهم ، في صور نقد لطيف ، وكان يحترمه علية القوم ويعد أستاذا كبيرا في الموسيقى تخرج به كل من ينتمي لهذا الفن بدمشق . ومن العادات الشائعة تعاطي القهوة والشاي في المقاهي العامة شتاء ، وأنواع المرطبات صيفا ، والتدخين بالتبغ والنارجيلة على الدوام ، وتكون صورة اجتماعهم حسب طبقاتهم ، ويرتادون أماكن سمرهم هذا ، بعد العشاء حين الانتهاء من مزاولة الأشغال وطلب الراحة . وأحاديثهم غالبا تدور على السياسة وفي موضوعات علمية واجتماعية يمتدحون فلانا لمكرمة أتاها ، ويذمون فلانا لنقيصة بدرت منه . ارتقت أحاديثهم في هذا القرن إلى الخوض في هذه الشؤون العامة ، ولم تكن في القرن الماضي تتعدى أحاديث البطون والفروج إلا قليلا . ومنهم من يقضي سمره ببعض الألعاب الشائعة كالشطرنج والبليار والدومينة والداما والنرد وألعاب الورق على اختلاف أشكالها وأسمائها . وقد فشت مؤخرا عادة ارتياد بعض الشباب أماكن الشراب ، وموقعها غالبا بين الرياض والغياض ، وعلى ضفاف الأنهار ، وتكون أغلب تلك الاجتماعات متجانسة ، فتراهم جماعات متشاكلين حول مناضد الشراب ، يجتمع كل أليف إلى أليفه ، وتجد جالسا إلى كل منضدة غالبا رجل من أرباب الصوت الحسن ينشد أصحابه الأناشيد الحسان . ومنهم من يختلف إلى زمرة من الموسيقيين الفنانين ، يصحبون آلاتهم كالعود والكمنجة والقانون والدائرة والناي . ومنهم من يقتصر على بعض تلك الآلات . وتجري غالب الاجتماعات في أماكن خاصة . وأما المحال العامة للشراب فتحوي من كل شيء أحسنه كالمنشدين والمغنين والآلاتية ، وتسمى تلك الأماكن الجنائن ، تضم غالبا الماء والخضرة والشكل الحسن ، وتبتدىء وقت الغروب وتنتهي عند منتصف الليل . هذا مجمل عادات دمشق ولا تختلف عنها عادات سكان القطر في الشمال والجنوب والغرب اختلافا يذكر ما خلا بعض عادات دينية عند الطوائف غير المسلمة ، وفيما عدا ذلك فهم متشابهون في أخلاقهم الاجتماعية ، ويمتاز سكان هذه الديار من غيرهم في المحافظة على ما ورثوه من بعض أخلاق